لسان الدين ابن الخطيب
190
الإحاطة في أخبار غرناطة
محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك ابن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي « 1 » من أهل رندة ، يكنى أبا عمرو ، ويعرف بابن عبّاد ، الحاجّ الصّوفي . حاله : نشأ ببلده رندة ، وهو من ذوي البيوتات الأصيلة بها ، ثم رحل إلى المشرق ، ولقي العلماء والصّوفية ، وحضر عند المشيخة ، ثم كرّ إلى الأندلس ، فتصوف ، وجال في النّواحي ، واطّرح السّموت ، وفوّت ما كان بيده من متاع الدّنيا ، وكان له مال له خطر ، وألقى التّصنّع لأهله رأسا . وكان فيه تولّه وحدّة ، وله ذهن ثاقب ، يتكلم في المعقولات والمنقولات ، على طريقة الحكماء والصّوفية ، ويأتي بكل عبارة غريبة ، وآثاره هائلة من غير تمكّن علم ، ولا وثاقة إدراك ، غير أنك لا تسمع منه إلّا حسنا ، وهو مع ذلك طوّاف على البلاد ، زوّار للرّبط ، صبّار على المجاهدة طوعا وضرورة ، ولا يسأل ثيابا البتّة إلّا بذلة من ثوب أو غيره ، صدقة واحد في وقته . محنته وفضله وشعره : نمي عنه كلام بين يدي صاحب المغرب ، أسف به مدبّر الدولة يومئذ ، فأشخص عند إيابه إلى رندة وسجن بسجن أرباب الجرائم ، فكتب إلى وليّ الأمر : [ الطويل ] تركت لكم عزّ الغنى فأبيتم * وأن تتركوني للمذلّة والفقر ونازعتموني في الخمول وإنه * لذي مهجتي أحلى من البنى والأمر ثم قال : يا من رماني بسهمه الغرب ، قد ردّ عليك مخضوبا بالدّم . قال : فو اللّه ما مرّت ثلاثة ، حتى نفذ حكم اللّه فيمن عدا عليه . وشعره حسن يدلّ على طبع معين ، فمن ذلك : [ الكامل ] سرى يسرّ إليّ أنك تاركي * نفسي الفداء للطفك المتدارك يا مالكي ولي الفخار بأنني * لك في الهوى ملك وأنّك مالكي « 2 » التّرك هلك فاعفني منه وعد * بالوصل تحيي ذا « 3 » محبّ هالك
--> ( 1 ) ولد ابن عباد النفزي برنده عام 733 ه وتوفي عام 792 ه ، وترجمته في الكتيبة الكامنة ( ص 40 ) ونيل الابتهاج ( ص 287 ) ونفح الطيب ( ج 7 ص 318 ) . ( 2 ) في الأصل : « مالك » بدون ياء . ( 3 ) في الأصل : « ذما » وكذا لا يستقيم الوزن والمعنى .